القائمة الرئيسية

الصفحات

آخر الأخبار[LastPost]


 

رواية ... سراديب ( الحلقة الأولى )


 

 

 

 

فتحت باب الغرفة، بعد أن طرقته عدة مرات، ولم تتلق أي إجابة، وحينما دخلت، نظرت إلى ساعة الحائط ، فوجدت أنها قد تعدت الرابعة عصراً، وما زال ابنها سعد يغط في نوم عميق .

حتى إنه لم يشعر بطرقات أمه، السيدة عواطف على باب غرفته، ولم يشعر بأطيط نعلها، وهى تسير في إتجاه سريره، حتى توقظه من نومه، وقبل أن تهم برفع صوتها لإيقاظه، هالها مدى الإهمال، الذى ضرب بغرفة ابنها خاصة، وأنها لم تدخلها منذ بضعة أيام .

فقد كانت محتويات الغرفة مبعثرة، وكأن عدوان 56، قد  اجتاحها، وهو ما أصابها باستغراب شديد، لأن سعد كان شديد الاعتناء بنفسه، وبمتعلقاته .

لم يستغرق استغرابها وقتاً كثيراً، فهي تعلم الحالة النفسية التي يمًر بها .

 ليس هو فحسب إنما البلد بأكملها ..

بعدما حدث ما حدث ..

تبدأ وقائع هذه القصة عصر اليوم الثاني عشر ، من شهر يونيه عام 1967، وهو ما يعرف بشهر، وعام النكسة. تلك النكسة التي كسرت آمال المصريين، وحطمت أحلامهم على  صخرة واقع، أليم .. مرير، ذلك الواقع، الذي فوجئ به المصريون، في يوم أغبر عندما فجعهم، خبر احتلال المغتصب الصهيوني، لأراضي سيناء الحبيبة، في حرب لم تحارب مصر فيها .

تلك الحرب التي كان سعد، يتمنى من أعماق قلبه، أن يشارك بحمل السلاح فيها، مع إخوته من رجال القوات المسلحة .. بالرغم من أن هؤلاء الرجال، لم يتمكّنوا من استخدام، أي سلاح في هذه الحرب، التي أجزم الجميع، أن النصر المُؤزر   سيكون فيها لمصرنا العزيزية .

 كان سعد قد وُلد بعيب خَلقي في قدمه، ذلك العَيب هو ما وقف أمامه حائلاً، دون حصوله على شرف الانتساب، للعسكرية المصرية التي كانت، وستظل ..

مصنعاً للرجال، وعريناً للأبطال على مر العصور .

وهذا ما كان يشعره دائماً، بالضيق الشديد فقد كان حلمه، منذ نعومة أظافره أن يصبح، ضابطاً بالقوات المسلحة المصرية، حينما يكبر، لكنه حلم ..

 لم يشأ القدر  أن يحققه له .

ولهذا كان التجنيد، هو الأمل الأخير، بالنسبة له  حتى يحقق شرف الانتساب للقوات المسلحة بأي صورة .

 لكنه أمل، آبى أيضاً أن يتحقق هو الآخر .

كان سعد يَحمل، من سنوات عمره أربعة وعشرين عاماً، ولم يمّر على تخرجه من كلية التجارة، وحصوله على البكالوريوس، سوى بضعة أشهر، أَشرفت على أن تجاوز العام، وكان يحمل الترتيب الثاني بين إخوته .

أما والده حسن النشار، فكان يعمل أسطى خراطة، بأحد مصانع القطاع العام، بالإضافة إلى عمله لبعض الفترات، على سيارة أجرة، يمتلكها أحد أصدقائه في محاولة منه لزيادة دخله، ليس من أجل الارتقاء بمستوى معيشة عائلته، ولكن من أجل الإنفاق على مزاجه الخاص .

فقد كان مولعاً بشرب الحشيش، أكثر من أي شيء، وهو ما جعله غير مكترث بأحوال بيته، وأبنائه .

وبالنسبة لوالدة سعد، السيدة عواطف الخولي، فقد كان حظها من التعليم قليل . فهي بالكاد، استطاعت الحصول على الشهادة الابتدائية، لكنها بالرغم من ذلك، كانت أم مثالية، وربة منزل جديرة بالحصول على جائزة الأم المثالية .

فهي التي أفنت صحتها، وعمرها من أجل بيتها، وأبنائها خاصة بعد ذلك الإهمال، الذى رأته من زوجها، تجاه أولئك الأبناء، ولذا فقد كانت، بمثابة الأب والأم، لأبنائها في آن واحد .

وكان لسعد ثلاثة من الإخوة هم :

 كريم ، لبنى ، محمد ..

كريم هو الأخ الأكبر لسعد، ويحمل شهادة دبلوم الصنائع، وكان تقريباً مثل والده، غير عابئ بأي شيء سوى نفسه، ومزاجه فقط، فاهتمامه بأسرته، يكاد يكون منعدماً، حيث كان أصدقاء السوء المحيطين به، هم محور اهتمامه الأول، والأخير .

أما لبنى، فهي أصغر من سعد بأربعة سنوات،  كانت آخر ما تحمله من شهادات، هي شهادة الثانوية العامة .

حيث أن ما حصلت عليه من مجموع، لم يُتِح لها أن تُكمل طريقها إلى التعليم الجامعي، بالإضافة إلى عدم رغبتها، في استكمال مشوار التعليم، وهو ما لاقى استحسان، وترحيب شديد من والدها، الذى كان يردد دائماً مقولة .. ما فائدة تعليم البنت ؟ إذا كان مصيرها هو بيت زوجها .

 وبالطبع كان يقول مثل هذا الكلام، لإخفاء رغبته في توفير نفقات تعليم ابنته، من أجل الإنفاق على مزاجه، ونزواته .

كانت لبني لا تعبأ كثيراً، بأمور الدين، حيث كان اهتمامها في المقام الأول، منصباً على مظهرها، وطموحاتها. بعدما بلغ بها الغرور، مبلغاً، جعل من استمتاعها، بمطاردة الرجال و الشباب لها ولجمالها، مشهداً تتوق عيناها لرؤيته دائماً، في كل مكان تتهادي فيه، بقدميها على الأرض .. كانت تعلم أنها ذات جمال وقوام جذاب، وتعلم أيضاً أنها تمتلك من الدلال، ما يأخذ بُلباب العقول، التي ما تلبث أن تسقط مسلوبة الإرادة، في ذلك الشَرك الذي تنصبه بسحر عينيها، لكل من قاده حظه العاثر، أن يُفتن..

 بذلك السحر  .

أما محمد ، وهو الأخ الأصغر لسعد ، والذى كان يحمل من سنوات العمر سبعة عشر عاماً . كان عكس إخوته تماماً .

فقد كان متدينا بطبعه، وكان تدينه تديناً وسطياً . لا يحمل التشديد، أو التفريط . فقد كان مؤمناً، ومنفذاً لحديث الرسول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم القائل :

( إن هذا الدين متين  فأوغلوا فيه برفق ، ولا تبغّضوا إلى أنفسكم عبادة الله ، فإن المنبت لا أرضاً قطع ، ولا ظهراً أبقي)

صدق رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم .

كان أيضاً طموحاً مؤمناً، بأهمية العلم، وضرورة التعلم، فكم حلُم أن يصبح ذات يوم، قاضياً ليقضى بالعدل، والحق بين الناس، فكان على يقين أنه لا ارتقاء أبداً لأمة، تفتقد لأهم كلمة تزدهر بها الأمم ..

ألا وهي كلمة ..

العدل .

كل هذا جعل منه إنسان ،يغلب عليه التفاؤل، حتى في أوقات الشدة، بالإضافة إلى أنه كان ذا طابع قياد ، ينم عن شخصية قوية .

 بخلاف سعد الذى كان سهل الانهزام أمام المصاعب ..

 انقيادي الطبع، حيث أنه لا يعرف للقيادة طريقاً ..

وهذا ما دفعه أن يحلُم دائماً بالسلطة ..

حتى يعوض بذلك، إحساسه  عن ضعف شخصيته ..

لكنه غفل عن شيء هام ..

 وهو أن ذلك الانهزام ..

سيدفع ثمنه قطعاً في يوم من الأيام ..

ويا له من ثمن ..

بالغ الفداحة .

 

 

********


reaction:

تعليقات