القائمة الرئيسية

الصفحات

آخر الأخبار[LastPost]


 


رواية ... سراديب ( الحلقة الثانية )


نهض سعد من نومه متثاقلاً ، و الضجر يملئه ، وحينما لاحظت والدته ذلك الضجر سألته لماذا تبدو مضجراً هكذا ؟

فقال لها : لماذا أيقظتيني الان يا أمي، وما الداعي لإيقاظي مبكراً هكذا ؟

رفعت والدته حاجبيها، ونظرت إليه باستغراب، واستنكار شديدين، وقالت له بتعجب:

مبكراً !!! ، لقد تعدت الساعة الرابعة عصراً ، وأنت ما زلت تغط في نومٍ عميق .

سعد : وما الذى يدعوني للقيام مبكراً  ؟

 لم يعد هناك شيء يستحق الاهتمام بعدما حدث ما حدث .

لا حظت والدته نبرة اليأس الواضحة في صوته ، فربتت على كتفه بحنان ، وهى تقول له :

يا ولدى إن الهزيمة لا تعنى نهاية العالم، وإذا جلس كل واحد منا يندب حظه.  فلن تقوم لنا قائمة بعد ذلك، وعندئذ ستكون هذه هي الهزيمة الحقيقية .

رد عليها قائلاً: يا أمي.. إنها ليست هزيمة بل نكسة، ووكسه.

والدته: حتى، وإن كانت كما تقول، فهل من المنطقي أن نجلس نبكى، ونولول كما تفعل النساء البائسات؟

أم  ننتفض من حالة اليأس، والإحباط التي تسيطر علينا؟؟

يا ولدي إن اليأس، والإحباط ما هما إلا، معاول هدم لا بناء، لماذا لا تنظر للدول التي فاقت مصيبتها مصيبتنا ؟

سعد : مثل من يا أمي ؟

والدته : مثل اليابان التي ضُربت بالقنابل الذرية، وراح الملايين ضحايا لتلك المصيبة، لكن الشعب الياباني لم تتملكه روح اليأس مثل تلك التي أرها تتملكك الآن، بل نفض ذلك الشعب العظيم عن نفسه غبار الألم والإحباط، وعزم أمره على تجاوز هذه المحنة، وبناء دولة قوية، يتحاكى عنها العالم، وهذا هو ما يحدث الآن بالفعل .

نظر لوالدته بتهكم قائلاً :

أتقاريننا باليابان يا أمي  ؟ ، أين نحن من اليابان .

والدته : وأين كانت اليابان بعد الحرب ؟

أتعلم بالرغم من أنك متعلّم، إلا أنه بالرغم من ذلك، يبدو أنك لا تعرف شيئاً عن تاريخ بلادك، ولا عظمة أجدادك .

سعد : هذا زمن قد ولى يا أمي، فأين نحن من أجدادنا الفراعنة ؟

والدته : الفراعنة ليسوا همُ الدليل الوحيد، على عظمة المصريين فحسب .. ألم يقهر هذا الشعب الفرنسيين، والإنجليز، ومن قبلهم التتار، والصليبين ؟

ألم يصنع هذا الشعب قناة السويس ؟

ألا يبنى هذا الشعب الآن السد العالي ، الذى تحدى به المصريون كبرى دول العالم  ؟

 مالك لا تثق بنفسك هكذا ؟

وإنني أؤكد لك إن مصر ستتجاوز هذه المحنة، وستعبر من تلك الأزمة منتصرة كعادتها، وغداً لناظره قريب .

سعد : كيف ستعبر مصر يا أمي بعد كل ما حدث ، كيف ؟

والدته : بالعمل، والاجتهاد، وقبل كل هذا الإيمان بالله، وترك اليأس فإنه، لا ييأس من روح الله، إلا القوم الكافرون، والعياذ بالله .

سعد : هل تعتقدين أننا نستطيع فعل ذلك يا أمي ؟

والدته : لا أعتقد ، بل إنني واثقة، أننا سنفعل أكثر من ذلك ، فمصر يا ولدى لا تقهر .

 ولن يضيعها الله أبداً، فهي كنانته في أرضه .

قم يا ولدى . أنفض عن نفسك ذلك اليأس، قم وفكر ما الذى تستطيع أن تقدمه لبلدك ؟

فلو قام كل منا بعمله، لأصبحت بلادنا سيدة بلاد الدنيا، وأعظمها على الإطلاق.

سعد : لكن ما الذى أستطيع عمله، بعد أن ضاعت كل فرص التحاقي بالجيش ؟

والدته : الجيش ليس هو المكان الوحيد، الذى يمكن أن تخدم فيه وطنك، فكر يا ولدى، فكل إنسان منا يملك قدرات، غير محدودة، وكما يقال الحاجة أم الاختراع.

سأفكر يا أمي، عسى أن أهتدى إلى الطريق الصواب.

تركته، وهو ينهض من سريره، حتى يغتسل ليتناول طعامه. خرج سعد من غرفته متجهاً إلى الحمام، فوجد أخيه محمد يجلس على سجادة الصلاة مولياً له ظهره فسلم عليه قائلاً:

صباح الخير.

التفت محمد، وهو ينظر إليه متبسماً، وهو يقول: تقصد مساء الخير. لقد أوشك وقت المغرب على  الدخول.

سعد: لا أعرف كيف غلبني النوم كل هذا الوقت؟

محمد: النوم لا يغلب إنسان، إلا إذا كان هذا الإنسان، خالي البال.

سعد: ماذا تعنى؟

محمد: أنت تعرف ما الذي أعنيه جيداً .

صمت سعد ، وهو ينظر إلى الأرض مفكراً فيما قاله أخيه، وهو يقول لنفسه: حتى أخي الأصغر ، لا يعجبه حالي، ويتهكم علي، وله كل الحق، فما الذي أفعله في حياتي، إلا الذهاب إلى المقهى ، والنوم بقية الوقت؟

يا خيبة الحال الذى أصبحت فيه.

 لكن من الآن فصاعداً، سيكون لي شأن آخر، لابد أن أكون نفسى فإلى متى سأظل هكذا غير عابئ بحياتي، ومستقبلي؟

 إنني أريد أن أمتلك مالاً كثيراً، وأن أكن ذا منصب، ونفوذ حتي أحقق ذلك الحلم، الذي طالما حلمت به طويلاً ..

 إذن لابد من الآن فصاعداً، أن أعمل من أجل تحقيق ذلك الحلم..

وهذا ما يؤكد على أن ما عزم عليه سعد ، يدل على أنه لم يفهم ما كانت تعنيه أمه، وما قصده أخيه..

فقد عزم على تحقيق حلمه بأي طريقة..

وبأي ثمن، ومهما كلفه الأمر..

وبذلك ضل سعد طريق الصواب، وهو يظن أنه سيحقق هدفه معتقداً بأنه قد وضع بذلك، قدمه على أول الطريق..

لتحقيق الهدف..

وياله من هدف .......

 

 

 

 

 

 

********

          

reaction:

تعليقات