القائمة الرئيسية

الصفحات

آخر الأخبار[LastPost]


 

 رواية ... سراديب ( الحلقة الثالثة )

 

 

وقفت لبنى تتزين أمام مرآتها بشكل مبالغ فيه، وهى تقول لنفسها كم أنتِ رائعة الجمال، والقوام يا لبنى ، يحق للشباب أن تطيش عقولهم، وأن يتهافتوا عليكِ، ويحلمون بنظرة رضاء من عينيكِ الساحرتين .

آآآه كم يأسرني ذلك الإحساس الذي ينتابني، حينما أشعر بتهافت هؤلاء الشباب من حولي، وهم يحلمون بالاقتراب مني، حتى ولو للحظة. لكن الغريب أنني لم أجد بين كل هؤلاء، من يُدعى بفارس الأحلام!

فكل من حولي فقراء مثلى، لا يستطيعون تحقيق حلم واحد، من أحلامي، لكن الخطأ خطئي أنا!!!

فمن أين سيأتي ذلك الفارس، وكيف سيراني، وأنا متقوقعة داخل هذه المنطقة الفقيرة، التي ابتلاني الله بالعيش فيها؟

لابد أن أفك أسري من هنا، وأنطلق إلى المناطق الراقية. فبالتأكيد هناك سأعثر على مبتغاي، وهدفي.

كانت لبنى غارقة حتى النخاع، في تلك الوساوس التي سيطرت تماماً على عقلها، وقلبها في آن واحد، حتى  أنها لم تشعر بوجود أخيها محمد بجوارها، وهو يتأملها في صمت، وتعجب، وكان ذلك  هو السبب في حالة الفزع، التي أصابتها، حينما سمعته، وهو يقول لها:

ما كل هذه الزينة، التي تتزينين بها يا لبنى؟

لبنى: ما لها ؟

محمد: ما لها !! ألا تشعري أنها زينة مبالغ فيها؟

لبنى: بالعكس إنها زينة عادية جداً.

محمد: لالا ... ليست عادية بل  إنها أكثر من اللازم.

لبنى: لكنني أراها عادية.

محمد: ألا تعلمي أن الزينة، لا تكون إلا للزوج فقط؟

لبنى: تنهدت قائلة، وأين هو ذلك الزوج، الذى لقد طال انتظاره، وهو يتمنع، ولا يريد أن يدق على بابنا؟  

محمد: يبدو أنكِ قد جاوزتِ الثلاثين من عمرك، وأنا لا أعرف ذلك!! إنكِ ما زلت صغيرة، فأين هو ذلك الانتظار الذى طال ؟

 ثم إن ما قَدّره الله، هو ما سيكون دون شك، ووفقاً لمشيئة سبحانه وتعالى. فلا يأخُذ العَجل بناصيتك، حتى لا يكون الحرمان هو جزائك. أم أنكِ لا تعلمي، أن من استعجل الشيء قبل الأوان، عُوقب بالحرمان. فلا تقلقي، وسلمي أمرك لمن لا يغفل عن عباده لحظة، وأطمئنِ فقد جعل الله لكل شيء قدرا.  

لبنى (وهي غير عابئة بما سمعت) : البنات يا محمد تتزوج في السابعة عشر والثامنة عشر، أما أنا فقد أوشكت على الواحد، وعشرين عاماً.

محمد: وهل تعتقدي أن هناك، من يفكر في الزواج اليوم، بعدما حدث ما حدث؟

 إن مصر كلها حزينة بعد النكسة، وأنتِ تفكري في الزواج ، وكأن شيئاً لم يكن !!! .

لبنى: إذن لنترهبن ، وتقف حياتنا حتى تنتهى آثار النكسة.

محمد: ليس هذا ما قصدته، لكنني أتعجب منكِ، فكل الناس حزينة متألمة، وأنتِ تفكري في الأفراح والزواج، وكأن الأمر برمته لا يعنيكِ، وكأنكِ لست بمواطنة مصرية، تتألم مما حدث!

لبنى: وماذا في يدى أن أفعل؟

محمد: كل منا يستطيع أن يفعل الكثير من أجل بلاده.

لبنى: مثل ماذا؟

وقف ينظر إليها متعجباً من برود أعصابها ، وهدوئها الذى بدأ يثير غيظه، لكنه كظم ذلك الغيظ، وهو يقول لها:

تستطيعي  أن تفعلي أي شيء مفيد، فمثلاً تستطيعِ أن تَبُثّي روح التفاؤل بين صديقاتك، الذين أصابتهن روح اليأس، أو اللامبالاة مثلك، كما يمكنكِ أن تتطوعي، في الهلال الأحمر من أجل المساعدة  في علاج، وتضميد جراح جنودنا البواسل ..

وقبل  أن يكمل حديثة، خرجت من فمها ضحكة تمتلئ بالسخرية، وهى تقول في تهكم واضح:

البواسل ألا تخجل من قول هذه الكلمة؟!

لم يستطع أن يتمالك نفسه عند سماع ما قالته ، فاستشاط غضباً، وهو يقول  صائحاً:

نعم بواسل، وأبطال، وهم خير أجناد الأرض.

لبنى: وبما تفسر إذن ما حدث؟؟

محمد: الخطأ كان خطأ القيادة، ولم يكن خطأ جنودنا البواسل، إن جنودنا لم تحارب، بل أُخذت على حين غِرّة.

فلو حارب هؤلاء الجنود، لأنزلوا بهؤلاء الخنازير الصهاينة، شر هزيمة. لكن للآسف هؤلاء الرجال لم يحاربوا، بل إنهم لم يستطيعوا حتى أن يستخدموا، كل أسلحتهم، إن الخطأ لم يكن خطأهم، ، بل كان خطأ القيادة بل كان كما قلت لك من قبل.

لبنى: تلك هي الشماعة، التي نعلق عليها هذه النكسة.

محمد: إنها الحقيقة،  التي يجب أن نواجه بها أنفسنا، حتى نصلح من أخطائنا، وحتى لا يتكرر ما حدث مستقبلاً.

لبنى: هل أنت مقتنع بما تقوله.

محمد: اقتناعا كاملاً، وغداً سترين بنفسك، ما سيحققه هؤلاء الرجال، من بطولات سيتحدث عنها العالم بأسره .

لبنى: سنرى غداً من منا، كان على حق.

محمد: نعم سنرى، وعندها ستندمين على سوء ظنك، بهؤلاء الرجال البواسل.

وكم كان صادقاً فيما قاله..

فغداً سيعلم العالم كله..

من هم جنود مصر الأوفياء..

الذين سيعلمون العالم بأسره..

أسمى معانى..

البطولة..

والتضحية، والفداء من أجل الوطن..

ذلك الوطن الذى يستحق منا أن نقدم له الكثير والكثير..                                              

فهذا حقه علينا..

إنه وطننا جميعاً..

إنها .. مصر

التي كانت، وستظل بإذن الله..

 سيدة الدنيا.

 

 

********

reaction:

تعليقات