القائمة الرئيسية

الصفحات

آخر الأخبار[LastPost]


 

ميكي و لولو

يعتقد كثير من الناس، أن الحيوانات تحيا بلا أخلاق.. في الوقت الذي يعتقد فيه، أضعف مخلوقات الله، وأكثرها كبراً، واستعلاءً، وغروراً يعتقد أنه الكائن الوحيد الذي يعيش وحده؛ بالأخلاق!!

ذلك المخلوق هو.. الذي يُسمى بالإنسان.

ويبرز هنا سؤال هام.. هل كل إنسان يستحق أن ينال شرف أن يكون؛ إنسان بحق؟

قبل الإجابة على هذا السؤال، يجب أن نعرف المعنى الحقيقي للإنسانية.

فحينما نجد من شخص ما، موقف نبيل، أو أخلاقي، أو موقف به شيء من الرحمة، أو الرفق فإننا نعنون ذلك الموقف بقولنا أنه موقف إنساني، ونقول بكل فخر على ذلك الشخص أنه؛ إنسان بحق. نقول ذلك، ونحن نراه أمام أعيننا إنسان بشحمه، ولحمه، ومعنى ذلك أننا اكتشفنا إنسانية، ذلك الشخص، وأنه إنسان بحق من خلال أخلاقه، وتصرفاته، وليس من خلال تكوينه الخَلقي.

ونستخلص من ذلك أن كلمة إنسان، هي تعريف جامع لكل معاني الأخلاق، التي تحمل في باطنها كل القيم النبيلة مثل.. الرحمة، والعدل، والرأفة، والصدق، والأمانة، والوفاء، والحب ، والتعاون، والإيثار، والنُبل، والمروءة.. إلخ  والتي من دونها لا يصير الإنسان إنساناً.. حتى ولو قالت الأوراق الرسمية غير ذلك.

تلك هي الصورة التي أراد الله سبحانه وتعالى، أن يكون عليها بنو آدم فقد قال عَزّ من قائل " ولقد كرّمنا بني آدم" وكانت أول مَكرُمة لبنو آدم أنه سبحانه وتعالى، قد شرفهم بذكره، وعبادته، وذاك كان هو تكريم الروح.

أما تكريم الجسد فكان بقوله جلا وعلا: "لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم" ومن يأبى ذلك التكريمين الروحي، والجسد يخسر التكريم الأعظم، وهو ذكر الله وعبادته سبحانه وتعالى فتكون عاقبته قوله جل وعلا: "ثم رددناه أسفل سافلين"

ولا يهوي الإنسان إلى مرتبة السافلين، إلا من قَبُحت أخلاقه، وتلوثت فترته السوية، ولا تُقبح الأخلاق، ولا تتردى إلا في إتباع الشهوات، وإتيان المنكرات، وارتكاب المحرمات، ولا عاصم من كل ذلك ، إلا بالفرار إلى الله سبحانه وتعالى.

فمن كان لسانه رطباً بذكر الله، لن تجده لساناً كاذباً، أو منافقاً، أو فحاشاً، أو لعاناً، ولا ينطق زوراً، وفجوراً.

كذا هو الحال بالنسبة لبقية أعضاء الآلة البشرية تحت زعامة؛ القلب الذي إذا صَلح صَلُح معه الجسد كله، ولا يصلح القلب، إلا بالطهر، ولا يطهر إلا بمداومة ذكر الله ليل نهار دون ملل، أو كلل.

فترى حينها العين على سبيل المثال لا تقع إلا؛ على الطيب..

كان السيد المسيح عليه، وعلى نبينا أفضل الصلاة، والسلام يسير مع بعض تلاميذه، فمروا بجثة كلب متعفنة.. فقال أحدهم ما أقبح منظره، وآخر قال ما أنتن رائحته.. إلا أن سيدنا المسيح عليه السلام قال: ما أنصع بياض أسنانه.

لم ترى عيني كلمة الله عليه السلام،  إلا الجمال فقط، ولم تشم أنفه الرائحة الكريهة، وذلك لأن جمال الروح، ورقيها.. قد كسا الحواس المادية.. فصارت جمالا لا يرى، ولا يسمع، ولا يذكر، ولا يشعر، ولا يُصدر إلا جمالاً.. فصار جمالاً ظاهراً، وباطناً.

قبل كتابة هذا المقال، كان يجلس أمامي ميكي، ولولو ومن لا يعرفهما هما قط، وقطة أقوم بتربيتهما، ورعايتهما منذ نعومة مخالبهما.

كانا ينمان على السرير الخاص بي، وكانا غارقين في النوم، وفجأة استيقظ ميكي، وعلى الفور قام بتنظيف لولو، وهي نائمة بلسانه كعادة القطط.

ظلت نائمة، وهو لا يزال يقوم بعمله، على أكمل وجه، ودون كلل، أو ملل، وبعد أن انتهى من عمله، وضع رأسه فوق رأسها، وعاد إلى النوم في مشهد غريب، لم أراه من قبل.

وبرغم جمال، ورقي المشهد إلا أن المشهد الأرقى، هو ما فعلته لولو.. فقد قامت بدورها  بعدما استيقظت، بفعل نفس الشيء معه دون زيادة، أو نقصان، وبعد ذلك ناما الاثنين، محتضنين بعضهما، في ود، وحب، وهدوء.

حقيقة تعجبت من تلك الأخلاق الرفيعة..

ومن ذلك الحنان الجارف..

وتلك الرقة المتناهية..

وذلك الحب النقي الرقراق المتبادل بينهما..

حب نقي لا تعكره أنفاس الخلائق، ولا تكالب المصالح..

حب لا يحمل في طياته أية مآرب ..

حب للحب فقط، جمع أرفع معاني الأخلاق بين طرفيه..

دون حذر من غدر، ودون تعالٍ، أو تمنع..

وهذا دليل جديد يُثبت أن الحيوانات، تتمتع أيضاً بالأخلاق، ولنا في العديد من أنواع الحيوانات مثل الكلاب، والخيول أمثلة كثيرة عن خلق الوفاء، والإخلاص، والتضحية.. تلك المعاني التي بات كثير من، بنو الإنسان لا يعرفون عنها، إلا أسمائها فقط.

فهل كل البشر يملكون مثل أخلاق ميكي، ولولو؟؟!!

وهل كل البشر يستحقون بالفعل لقب..

إنسان أم أنه لقب..

لا يناله إلا صفوة البشر فقط؟

سؤال يجب على كل منا أن يقف أمامه..

طويلاً وليتأمل هل هو إنسان بالفعل..

أم لا.

 

(قُضي الأمر)

reaction:

تعليقات